مصطفى لبيب عبد الغني
100
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وعند تقدير طب الرازي لا يجوز بحال ما إغفال عاملين هما : أولا : دوره في التعليم الطبى وتوليه إدارة بيمارستان بغداد وبيمارستان الرّى . ثانيا : ممارساته العلاجية وحرصه على تسجيل الأعراض المرضية بغاية الاستقصاء وتقديره السليم " للعلامات " أو الدلائل وبراعته الفائقة في التشخيص وثقته بجدوى هذه الملاحظات في تكوين رأى مستقل وإن اختلف عن رأى الفاضلين أبقراط وجالينوس . وإن كان البعض يعيب على الرازي اضطراب بعض كتاباته التي حفلت بتسجيل حالات المرضى في مذكرات خاصة فإن له في مؤلفاته الأخرى - التي كتبها للمتعلمين - القدم الراسخة في التأليف العلمي المنظم بما يتجلّى فيه من التبويب السليم والتقسيم والتشجير وسلامة العرض المنطقي ووضوحه ومن بعد عن الإفراط أو التفريط ومن خلو اللغة من الغموض أو الإغراب « 1 » .
--> ( 1 ) يقول الرازي في مفتتح كتابه « المرشد » عن هدفه من تأليفه ومنهجه فيه : « دعاني ما وجدت عليه فصول أبقراط من الاختلاط وعدم النظام والغموض ، والتفسير عن ذكر جوامع الصناعة كلها أو جلها ، وما أعلمه من سهولة حفظ الفصول وعلقها بالنفوس ، إلى أن أذكر جوامع الصناعة الطبيد وجملها علي طريق الفصول ، وأتحرى في ذلك الإيضاح والتمثيل وترك الإغراق والوغول في العويص ، وما يقع فيه الخلاف ويحتاج إلى البحث والنظر ، ليكون مدخلا إلى الصناعة وطريقا للمتعلمين » ( ص 17 ) . ويقول في نفس الكتاب عن جالينوس : « كتب الفاضل جالينوس ست عشرة مقالة في النبض : أربعا في تعرّف أصناف النبض ، وأربعا في تعرف أسباب تلك الأصناف ، وأربعا في الدلائل التي يدل عليها كل واحد من تلك الأصناف . وجعل أصناف النبض كلها في المقالة الأولى . وقد جمعنا نحن أيضا باختصار معاني هذا الكتاب ، وطرحنا عنه ما حسبنا أنه يستغنى عن ذكره » ( ص 75 ) . وهذا الرأي الذي يراه الرازي عن الأسلوب الأمثل في الكتابة الطبية وبما يبعد عن إيجاز أبقراط وإطناب جالينوس ، سوف يردده من بعد الطبيب العظيم علي بن العباس المجوسي ممتدحا كتابه « كامل الصناعة الطبية » الذي توسط به بين نهجى الرازي وابن سينا . ولكن « إذا قدّرنا أن « الحاوي » ليس كتابا بالمعنى المألوف وأنه ليس إلّا سجّلا لمشاهدات ( الرازي ) فلن نجد غرابة في ضخامته ونقص ترتيبه واختلاف أسلوبه . فقد كان هو وتلاميذه يدونون المشاهدات كيفما اتفق أن عرضت عليهم دون ترتيب خاص » . ( محمد كامل حسين : « في الطب والأقرباذين » - ضمن كتاب : أثر العرب والإسلام في النهضة الأوربية ، ص 255 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987 ) . -